أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
430
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الحال ، وهو مشكل ، فإنّهم أجازوا في « ليت » أن تعمل في الحال ، وكذا « كأنّ » لما فيها من معنى الفعل - وهو التمني والتشبيه - فكان ينبغي أن يجوز ذلك في « أنّ » لما فيها من معنى التأكيد . و « جميع » في الأصل : فعيل من الجمع ، وكأنه اسم جمع ، فلذلك يتبع تارة بالمفرد ، قال تعالى : نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ « 1 » ، وتارة بالجمع ، قال تعالى : جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ « 2 » ، وينتصب حالا ، ويؤكد به بمعنى « كل » ، ويدلّ على الشمول كدلالة « كل » ، ولا دلالة له على الاجتماع في الزمان ، تقول : « جاء القوم جميعهم » لا يلزم أن يكون مجيئهم في زمن واحد ، وقد تقدّم ذلك في الفرق بينها وبين « جاؤوا معا » . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 166 إلى 167 ] إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ( 166 ) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( 167 ) قوله تعالى : إِذْ تَبَرَّأَ : في « إذ » ثلاثة أوجه : أحدها : أنّها بدل من « إذ يرون » . الثاني : أنها منصوبة بقوله « شديد العذاب » . الثالث : - وهو أضعفها - أنها معمولة لا ذكر مقدرا . و « تبرّأ » في محلّ خفض بإضافة الظرف إليه . والتبرّؤ : الخلوص والانفصال ، ومنه : برئت من الدّين ، وقد تقدّم تحقيق ذلك عند قوله : إِلى بارِئِكُمْ « 3 » . والجمهور على تقديم « اتّبعوا » مبنيا للمفعول على « اتّبعوا » مبنيا للفاعل . وقرأ مجاهد بالعكس ، وهما واضحتان ، إلّا أنّ قراءة الجمهور واردة في القرآن أكثر . قوله : وَرَأَوُا الْعَذابَ في هذه الجملة وجهان : أظهرهما : أنها عطف على ما قبلها ، فتكون داخلة في حيّز الظرف ، تقديره : « إذ تبرّأ الذين اتّبعوا ، وإذ رأوا » . والثاني : أن الواو للحال والجملة بعدها حالية ، و « قد » معها مضمرة ، والعامل في هذه الحال : « تبرّأ » أي : تبّرأوا في حال رؤيتهم العذاب . قوله : وَتَقَطَّعَتْ يجوز أن تكون الواو للعطف وأن تكون للحال ، وإذا كانت للعطف فهل عطفت « تَقَطَّعَتْ » على « تَبَرَّأَ » ، ويكون قوله : « ورأوا » حالا ، وهو اختيار الزمخشري ، أو عطفت على « رأوا » ؟ وإذا كانت للحال فهل هي حال ثانية للذين ، أو حال للضمير في « رأوا » ؟ وتكون حالا متداخلة إذا جعلنا « ورأوا » حالا . والباء في « بهم » فيها أربعة أوجه :
--> ( 1 ) سورة القمر ، آية ( 44 ) . ( 2 ) سورة يس ، آية ( 32 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 54 ) .